ابن إدريس الحلي
64
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
معنى « طائِرَه » قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : عمله من خير أو شر ، كالطائر الذي يجيء من ذات اليمين فيتبرك به ، والطائر الذي يجيء من ذات الشمال فيتشأم به وطائره عمله ، والزام اللَّه طائره في عنقه الحكم عليه بما يستحقه من ثواب أو عقاب . ثم قال « لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » أي : لا يأخذ أحدا بذنب غيره . والوزر الإثم . وقوله « وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » اخبار من اللَّه أنه لا يعاقب أحدا على معاصيه حتى يستظهر عليه بالحجة وإنفاذ الرسل . وليس في ذلك دلالة على أنه لو لم يبعث رسولا لم يحسن منه أن يعاقب إذا ارتكب القبائح العقلية ، اللهم الا أن يفرض أن في بعثة الرسل لطفا ، فإنه لا يحسن من اللَّه مع ذلك أن يعاقب أحدا الا بعد أن يعرفه ما هو لطف له ومصلحة لتزاح علته . وقيل : معناه « وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ » بعذاب الاستيصال والإهلاك في الدنيا حتى نبعث رسولا . وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة ، من أن اللَّه تعالى يعذب أطفال الكفار بكفر آبائهم ، لأنه بين أنه لا يأخذ أحدا بجرم غيره . فصل : قوله « وإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها » الآية : 16 . ذكر في هذه الآية وجوه أربعة : أحدها : أن مجرد الإهلاك لا يدل على أنه حسن أو قبيح ، بل يمكن وقرعه على كل واحد من الامرين ، فإذا كان واقعا على وجه الظلم كان قبيحا ، وإذا كان واقعا على وجه الاستحقاق ، أو على وجه الامتحان كان حسنا ، فتعلق الإرادة به لا يقتضي تعلقها على الوجه القبيح ، وإذا علمنا أن القديم لا يفعل القبيح علمنا أن ارادته للاهلاك على الوجه الحسن . وقوله « أَمَرْنا مُتْرَفِيها » المأمور به محذوف ، وليس يجب أن يكون المأمور